السّيدة المنّوبيّة : حيّ شعبيّ من تونس بين التّهميش و التّشويه

السّيدة المنّوبيّة : حيّ شعبيّ من تونس بين التّهميش و التّشويه

حبيب عايب

جغرافي

جامعة باريس 8 – فرنسا

الجامعة الأميركية في القاهرة – مصر

« إنّه أمر مثير بالتأكيد لكن إنتبه مع ذلك لنفسك« … « لا تحمل معك أبدا نقودا و لا أشياء ذات قيمة« … « لا تعطي أبدا عنوانك لأحد سكّان الحيّ« … « حاول أن لا تذهب إليه بمفردك« … هذه بعض النّصائح التي ظنّ أصدقاء مقرّبون أنّه من الضّروريّ إسداءها لمّا علموا بأنّي سأقوم بدراسة في السّيدة المنّوبيّة و هو حيّ شعبيّ من أحياء تونس.هي نصائح صادقة وأخوية لكنّها ساهمت في تشكيل و نشر صورة سلبيّة خاطئة بقدر ما هي كارثيّة عن الحيّ. فالتّهميش ليس معطى ماديّا بل هو مسار معقّد يساهم فيه الجميع في الدّاخل كما في الخارج و ذلك بتشويه الهامش و شيطنة سكّانه. و بدخولي للمرّة الأولى هذا الحيّ تملّكني شعور شبه عضويّ بأنّي أعبر جدارا أو حدّا حقيقيّا بين المألوف و غير المألوفبين المركز و الهامشبين المتن و الحاشية.

ليكون مآلي, أنا القادم من « المركز » الإقرار بأنّي سأدخل منطقة كلّ المخاطرلكن عند وصولي إلى هذا الحيّ « الهامشيّ » (المتروك على الهامش الإجتماعيّ و المكانيّ للمدينة) أدركت بأنّي الغريب والدّخيل و الشّخص الذي تجب مراقبته. فبين الدّاخل و الخارج يوجد ذلك الحاجز أو الحدّ الذي يمثّل النّقطة المركزيّة أو المحوريّة للصّورة الكارثيّة للحيّ, الّتي نكتشف لاحقا بأنّ مأتاها ليس أناس الدّاخل بل النّاس في الخارج الّذين زادوا من قتامتها رغبة منهم في التّحصّن من خطر سكّانه من « الجحافل البشريّةو قطّاع الطّرق و المجرمين و السّارقين و المغتصبين.. ».

فكيف تتشكّل الصّور و التّمثّلات؟ وكيف تبنى جدران الخوف و الإقصاء؟ و كيف تتجسّد مسارات التّفقير و التّهميش؟

و لأنّ الإجابة بصورة دقيقة و ممنهجة عن جملة هذه الأسئلة تستلزم إمكانيّات أكبر و خاصّة حيّزا زمنيّا أطول فإنّ هذا العمل لا يعدو أن يكون محاولة لذلك.

« بآعتبارالمواراةالإجتماعيّة(اللاّمرئيّإجتماعيّا),…,عليناالإهتمامبالآليّات((lesmodesالإجتماعيّةالّتيتقصيبعضالنّاسمنالّذينيعيشونعلىالنّزرالقليل,ويكتفونبشبهلاشيء.حتّىأنّتلاشيهمفيحالآنعدامقفافالمساعداتالإنسانيةلنيولّدأيّردّفعلحانق.ويقصدبالإقصاءإخراجحياةمامندائرةالفضاءاتالمخصّصةللعيش.فلايمكنإذاالتّفكيرفيالإقصاءإلاّبتقسيمالفضاءاتالإجتماعيّةإلىفضاءاتمألوفةوفضاءاتهامشيّة.وهومايفترضإقامةحدّيبقيالمهمّشالّذييعيشحياةتحاكيالحياةحبيسفضاءحدوديمجاورللمجتمع,هوعبارةعنالخلفيّةالتّحتيّةللشّكلالإجتماعيّ. »(جيوملبلانPUF2009صفحة14)1

هذا النّصّ الأوليّ هو بالأساس نتاج دراسة نوعيّة ميدانيّة تمثّل اللقاءات الفرديّة في داخل الحي و في خارجه الجانب الأكبر منها. لكنّ بعض الشهادات مأتاها حلقات نقاش غير رسميّة و لا منظّمة بصفة مسبقة, نظرا لأنّ كل محاولة للقيام بآجتماع منظّم كانت بكل بساطة منذورة للفشل. كما أنّي تجوّلت كثيرا في الحيّ و عاينته و آستمعت بآنتباه شديد إلى سكّانه. و حتّى أكسب ثقة محاوريّ وعيت سريعا بضرورة تقويضي للجدار الإفتراضي للإقصاء الذي يسور حيّهم. لذلك, كشفت آليّا عن هويّتي و أشهرت أدوات عملي الّتي لم تكن أكثر من دفتر ملاحظات و قلم و مسجّلفي السّيدة المنّوبيّة لا يوجد أناس خطيرون فقطهنالك أيضا مزيج من رجال و نساء يرشحون إنسانيّة و لطفا و حفاوة.كانت تلك أوّل ملاحظات, أول تأكيدات, وأول تصدّعات زعزعت الصّور المغالِطة و المشوِّهة و التّمثّلات المهيمنة السّائدة, الرّاسخة في الأذهان عن السّيدة, الّتي دخلتها بحيطة مردّها الصّورة السلبيّة الرّائجة عنها, و خرجت منه محمّلا بصور لأناس يعانون الفقر و الإقصاء و الإمتهانو التّهميش.

1- التّهميش المكانيّ: السّيدة, حيّ « مركزيّ » على هامش المدينة:

يبعد حيّ السّيدة المنّوبيّة (السّيدة) حوالي 30 دقيقة مشيا على الأقدام عن مركز مدينة تونس. و هو يغطيّ المنحدرات الحادّة الذي تبتدئ من حيّ مونفلوري شرقا و تنتهي عند سبخة السّيجومي غربا. لكن و لئن أصبح هذا الحيّ جزءا من النّسيج الحضريّ المتواصل للمدينة فإنّ الوصول إلى هذا االمكان المغمور صعب نسبيّا و التّجوال داخله ليس بالأمر الهيّن نظرا لشدّة آزدحام بناياته و لضيق أزقّته, لكن كذلك لشعور بالخوف مبرّر أو غير مبرّر يجتاح الزّائر الغريب عنه. هكذا يضلّ السّيدة المنّوبيّة حيّا مطوّقا و مغلقا, وحدهم سكّانه يستطيعون أن يجوبوه بسهولة.

بالإضافة إلى صعوبات الجولان (لا توجد أو توجد بعض الدرّاجات) يطرح هذا المكان مشكلين أساسيّين. ففي الجزء العلويّ للحيّ, يصعب البناء وفقا لشروط السّلامة الضّرورية و تبدو المنازل معلّقة على التّلال و جاهزة للإنعتاق و للإنزلاق إلى تحت مع أدنى حركة للأرض. أمّا في الأسفل, (غربا, على آمتداد سبخة السّيجومي), أصبح تصريف مياه الأمطار و تفريغ قنوات التّطهير مستحيلا تقريبا. و النّتيجة هي تراكم مياه الأمطار و آجتياح المياه المستعملة للحيّ, خاصّة خلال فصل الشتاء و الفترات الممطرة من السنة.(تهطل الأمطار بمعدل 500 مم في السنة بمدينة تونس). و هذا يزيد من تردّي الحالة الصحيّة الكارثيّة لهذا الحيّ الّذي تسكنه عائلات فقيرة في مجملها و بالتّالي من خطورة الوضع فيه.

و يحدّ السيدة شمالا حيّ هلال و هو حيّ شعبيّ شبيه في كثير من المظاهر بها. أمّا جنوبا, فتمتدّ السّيدة عبر حيّ الشهداء قبالة حيّ الوردية الأكثر آنفراجا و المسكون من قبل عائلات من « الطّبقة الوسطى« . و تفصل بين الحيّين الآنفي الذّكر أرض شاسعة و مقبرة الشهداء.

خلال التّسعينات, قام بن علي في إطار سياسات ذرّ الرماد على العيون و البروبجندا الزّائفة ببناء منازل على جزء من الأرض الواسعة الممتدّة بين السّيدة و نصب الشّهداء ليؤوي فيها عائلات من السّيدة كانت بيوتهم المعلّقة في أعلى المنحدرات مهدّدة بالإنهيار. و قد آنجر عن هذه العملية بروز منطقة جديدة لتمدّد الحيّ صوب الجنوب.غير أنّ هذه المبادرة الرّئاسية لم ترق لمتساكني الورديّة الّذين رأوا فيها « آجتياحا » و خطرا داهما يهدّد أمن عائلات هذا الحيّ الهادئ و المتكوّن أساسا من منازل راقية و مريحة, ذات طابق أو آثنين, غالبا ما تحتوي على حدائق صغيرة خاصة.

« في المقابل, قرّر السّكان الّذين لم يتمكّنوا من الإعتراض على التّوسع, الّذي أقرّه الرّئيس, تعزيز سلامتهم الخاصّة ببناء الأسوار و الإنغلاق و التّشرنق على الذّات. »كما يقول أحد سكّان حيّ الورديّة, و هو أستاذ جامعيّ.

هكذا آرتفعت الأسوار الخارجيّة عدّة أمتار لتصبح حيطانا حقيقية يستحيل عبورها . كذلك برز تمشّ آخر لحفظ الأمن لم يكن معروفا بالمرّة من قبل تمثّل في جلب عائلات الورديّة لكلاب حراسة للحيلولة دون كلّ إمكانية للإندساس. هذا الحيّ الذي آنخرط في تمشّ من الشّجب و الشّيطنة تقوقع فعلا على نفسه لتأفل الواجهات الجميلة و الحدائق الصغيرة شيئا فشيئا خلف الجدران.

و على ضفّتي الفضاء الواسع الذي يفصل بين حيّي الورديّة و السّيدة يتقابل مقهيين تفصل بينهما مسافة تقدر بأقلّ من 100متر. لكن لا يختلط حرفاؤهما أبدا و يبقى كلّ في بوتقته. و لهذين المقهيين وحدهما بهيكلتهما و حرفائهما أن يظهرا جليّا البَوْنَ الإجتماعيّ الشّاسع الّذي يفصل بين الحيّين و متساكنيهما. أحدهما شبيه بالمركز و آخرهما على الهامشو بين الإثنين يستقيم الحدّ الإفتراضيّ للتّهميش الّذي يحافظ عليه الطرفين على الدّوامو في الواقع, و دون أن يكون ذلك بطريقة شكليّة و منظّمة تقوم هذه المقاهي بوظيفة « أبراج للمراقبة« .

يتنزّل هذا التّهميش المكانيّ إذن في الواقع الملموس و في بنية الفضاء من خلال التّمثّلات و المخيال الجمعيّ الّذي يتغذّى مؤكّدا من الوقائع الحقيقيّة لكن دون دراية بحقيقة بالوضعيّة داخل هذا الحيّ المهمّش و بجوهر سكّانه المنبوذين.

و تشكو السّيدة في الآن نفسه من الإكتضاض و من نقص في البنى التّحتيّة و من كونها لا ترى إجتماعيّا و حضريّا و من صورة رائجة عنه موغلة في السّلبيّة. في الواقع أُطْلبْ من أيّ كان من سكّان العاصمة أن يصف لك الحيّ و ستتشكّل الصّورة أمام عينيك ببعض الكلمات المفاتيح: خطر, فقر, تهديدات, مخدّرات, عنف, بغاء, سرقة, درن, حضر, إكتضاضفي حين يقول لك لك البعض بأنّهم و لإن دخلوا هذا الحيّ, فإنّ ذلك لم يكن, في الأغلب, إلاّ لمرّة واحدة في حياتهم. لكنّ, الجميع يؤكّدون لك بأنّهم يعرفونه.كما أنّها تعاني في حقيقة الأمر من الأخبار الّتي تتناقلها الصّحف و وسائل الإعلام بآنتظام عنها. بالإضافة إلى النّمنمات الحضريّة الّتي تعبر المدينة. و الرّهاب الجماعيّ من أن يضرم أهلها « المتوحّشون« و البرابرة, مصدر الخطر الدّاهم النّيران في كلّ المدينة. هناك أيضا فيلم السّيدة لمحمّد الزّرن الّذي يعدّه الجميع حجّة على آستحالة التّعايش مع سكّان هذا الحيّ شديدي القرب و البعد في آن.

بيد أنّ هذا الفيلم الّذي شهد نجاحا كبيرا لم يعرض صورا « سلبيّة » فقط عن الحيّ و هو في كلّ الأحوال لا يشوّه سكّانه. محمّد الزرن مخرج هذا الفيلم الّذي آلتقيته من أجل هذه الدّراسة حدّثني عنه و الدّموع تغزو عينيه. »من المؤكّد أنّ تقبّلي و تركي أصوّر في هذا الحيّ كان أمرا شديد الصّعوبة و كان عليّ حتّى أن أتّصل بالشّرطة في مرحلة ما من مراحل التّصويرلكنّي وجدت فيه إنسانيّة لم أجدها أبدا في أحياء أخرى أكثر رقيّا و أمنا من أحياء العاصمة. » عن سؤال لما أنجزت هذا الفيلم؟ أجاب محمّد الزرن بأنّه يقطن في مونفلوري و بأنّه يستطيع رؤية السّيدة بأكملها من نافذة غرفته و لكنّه لم يذهب إليها مطلقا من قبل. كان عليه أن يكون مصحوبا بالكاميرا حتّى يتجرّأ على دخولها. هو ذات الحدّ الإفتراضيّ و النّفسيّ الفاصل بين المدينة و الحيّ يستقيم حاجزا لا يُعبر ليجسّد, مرّة أخرى, التّهميش المكانيّ و الإجتماعيّ للسّيدة و لسكّانها. لكنّ الصّورة السّلبيّة الجماعيّة للحيّ مستبطنة نوعا ما من قبل سكّانه أنفسهم الّذين ينزعون إلى المبالغة في تضخيمها و كأنّهم بذلك ينأون عنها فرديّا.هناك حادثة أخرى معبّرة: شابّ من الحيّ (فلنطلق عليه إسم صلاح) قبل بأن يكون لي دليلا و رفيقا أثناء الدّراسة حذّرني من أن أذهب لألقاه وحدي داخل الحيّ.كان يأتي لآصطحابي بواسطة درّاجة ناريّة من على مقهى في مونفلوري و كان في آخر الجولة يتركني بعيدا عن الحيّ: »أسباب أمنيّة« … « لن أكون مطمئنّا لتركك تأتي و تغادر بمفردك« . »قد يقع الإعتداء عليكمعي لن يتهدّدك أيّ خطر« قال لي صلاح. هو دائما الخطّ نفسه إذن يعيد صلاح, الّذي ولد في السّيدة و أقام فيها دائما و إن كان يعمل خارجها, رسمه. خطّ الخطر و الخوف.

كلّ الصّعوبة الّتي تحول دون إدراك مجموع المكوّنات الّتي تتشكّل منها الصّورة السّلبيّة للحيّ تتأتّى من الجهل شبه الكلّيّ بخبايا هذا الفضاء الهامشيّ و بالتّالي من آنعدام القدرة على إقامة رابط بين بعض الوقائع المعروفة و مدى آنتشارها على الميدان. إذ يتأسّس التّمثّل على بعض الصّور و الأحداث الواقعيّة أو الخياليّة. لكن كيف تقاس درجة آنتشار هذا الفعل أو ذاك داخل حيّ, شديد الإزدحام و صعب الولوج, في ظرف أيّام أو حتّى أسابيع. وحدها دراسة كميّة و نوعيّة ذات آمتداد واسع تستطيع أن تساعد على رسم صورة و تمثّل قريبين من الواقع. و بالتّالي, لا تستطيع هذه الدّراسة أن تدّعي آلتصاقها بالواقع الجمعيّ. فهي تكتفي بتعديد و نقل بعض الوقائع و « المشاكل » المعاينة على عين المكان دون التّجاسر على تقديم المكوّنات الّتي من شأنها أن تثقل أو تخفّف التّصوّر الّذي يحمله السّكّان عن حيّهم و عن ذواتهم و الّذي يحمله « الغرباء« عن الحيّ و عنهم.

في السّيدة رأيت المخدّرات, رأيت التّداعك, فقهت معنى المعاناة, إلتقيت « قطّاع الطّرق« , رأيت البغاء, و عايشت الفشللكن كم عدد الّذين يواجهن هذه المشاكل و الصّعوبات؟ هذا العمل لا يستطيع أن يقدّم أيّ إجابة نهائيّة. يقول أحدهم « وجود بقعة حمراء لا يعني بالضّرورة وجود قطّمدهوس.. » و أستطيع القول بأنّ وجود مستهلك للمخدّرات أو جانح أو مومس لا يعني بالضّرورة وجود مجموعة « خارجة بأسرها عن القانون« … و هكذا تضلّ الصّورة مرّة أخرى المكوّن المؤسّس للتّهميش الّذي يشهده الحيّ و سكّانه و بالتّالي لتغييبهم رغم حضورهم المادّي على مقربة من مركز العاصمة.

مشكل صور, قصّة جهل و خوف و رفض و لفظ, وقائع, تصرّفات, حدود إفتراضيّة و واقعيّة بين ما نعتقد أنّه « نحن » و ما نتوهّم أنّه « الآخرين« .

حيّ مركزيّ نسبيّا و مهمّش كلّيّا:

يعدّ موقع السّيدة منّوبيّة موقعا جبليّا وعرا يصعب إعماره و هو ما يفسّر عدم آمتداد المدينة « طبيعيّا إليه. ميزته الوحيدة هي آحتواؤه على مقاطع يستخرج منها الرّمل و الحجارة الّتي تستعمل في حظائر بناء المدينة. و هو مملوك في جزء منه من قبل الدّولة (حوالي 60 بالمائة من المساحة الجمليّة). و قد كان, في البداية, محلّ تملّك خاصّ « غير شرعيّ« بمجرّد « وضع اليد« .تدريجيّا, تزاحم داخله النّازحون القادمون من جنوب البلاد و وسطها و غربها خاصّة منذ السّتّينات و ذلك رغم التّدخّلات الدّائمة و العنيفة للأمن لمنعهم من ذلك. و هكذا تشكّلت فيه بسرعة مدينة قصديريّة ضخمة بظروف عيش بدائيّة جدّا. و قد تمازج فيه النّازحون و تلاقحوا « بمجتمع ما تحت مجتمع المدينة« .مع مرور الزّمن, أستبدلت المنازل القصديريّة تدريجيّا ببنايات إسفلتيّة. لكن, نظرا لآستحالة توسّعها على مساحات أكثر آمتدادا, تزايدت الكثافة السّكّانيّة للسّيدة لتبلغ مستويات تجعل منه اليوم أحد الأحياء الأشدّ آكتضاضا في العاصمة و ربّما في البلاد كلّها. أصبح الحيّ محكم الإنغلاق, لكنّ سكّانه آستمرّوا في النّموّ. و هو ما يعدّ مشكلا من أكبر مشاكلهم: شدّة الإزدحام.

اليوم الحيّ مسكون من قبل عائلات إستقرّت فيه منذ ما يزيد عن الخمسين عاما و من قبل فروعهم. لم يعد الأمر يتعلّق إذن بمجموعة بشريّة غريبة عن العاصمة بل بأناس ولدوا في مجملهم و ترعرعوا فيها. هم يشعرون في الوقت نفسه بأنّهم « توانسة » مرفوضين, »غرباء« , و هو ما يزيد شعورهم بالتّهميش.

من النّاحية القانونيّة, رغم أنّ المنازل عرفت عموما بكونها ملك خاصّ سواء كان ذلك برسم عقّاريّ أو بغير رسم فإنّ وضعيّتها القانونيّة لم تتوضّح للجميع. و بعد مدّة طويلة من المماطلة, قامت الدّولة بتمكين الرّاغبين في القيام بالإجراءات اللاّزمة لتسوية وضعيّتهم العقّاريّة من ذلك. لكنّ هذا الإجراء وقع في الأطر الإعتياديّة و هو ما يستوجب إتمام عمليّة بيع أو شراء لقاء ثمن تضبطه الدّولة. و وفقا لهذه الإجراءات كان على كلّ عائلة ترغب في تسوية الوضعيّة القانونيّة لمسكنها أن تدفع مبلغا يقدّر بالرّجوع إلى المساحة الجمليّة المستغلّة. و قد حدّدت البلديّة الّتي تحوّزت سنة 1980 بجملة الأراضي الّتي أقيمت عليها السّيدة ثمنا للبيع لسكّان الحيّ قدّر بخمسة دنانير للمتر المربّع. و قد ظنّت أنّ عرضها سيشجّع العائلات المعنيّة على أن تصير مالكة للأرض. لكنّ هذا التّمشّي لم يحقّق الأثر المرجوّ و عائلات قليلة فقط إشترت الأراضي الّتي آستغلّتها. هذا الإلتزام الماليّ الّذي آعتبر غير عادل دفع النّاس للإستمرار في حالة الغموض القانونيّ. و في حال إجراء معاملة محلّها العقّار المتحوّز به (بيع المنزل مثلا) يكتفون بإمضاء عقد بحضور محام دون القيام بتسجليه لدى الجهات المختصّة. و هو ما يكلّفهم نفقات أخفّ. و تجدر الإشارة في هذا الصّدد إلى أنّ كلّ الّذين سألناهم أجابوا بأنّهم لا يقومون بآداء الضّرائب العقّاريّة و يبرّرون رفضهم بهضم حقّهم في ملكيّة الأراضي الّتي ولدوا و ترعرعوا فيها. »إمنحونا رسوما حقيقيّة لملكيّة تامّة, ندفع لكم كلّ الضّرائب اللاّزمة« .

على مستوى السّوق, لا يشجّع هذا المشكل العقّاريّ على الإختلاط إذ لا يستقطب هذا الحيّ سوى العائلات المعوزة الّتي لا تقوى على السّكن بأسعار أكثر آرتفاعا.

فشدّة الإزدحام, إلى جانب الصّورة السلبيّة الرّاسخة في الأذهان عن الحيّ, و نقص المساحات البيضاء و حتّى العروض, و تكدّس الأوساخ و تردّي البنية التّحتيّة و أخيرا انعدام الأمن (المفترض أو الحقيقيّ) لا تشجّع عائلات أخرى أكثر أريحيّة على القدوم بحثا عن سكن في هذا الحيّ. و بالتّالي يترك المغادرون (لآرتقاء في السّلّم الإجتماعيّ أو لزواج مثلا) الفضاء الشّاغر(و قد يكون منزلا أو غرفة فقط) لباقي أفراد العائلة أو قد يسوّغونه أو يبيعونه لمشتر من الحيّ. في المقابل تحول هذه الوضعيّة دون آرتفاع الأسعار بصفة لافتة و تمثّل عقوبة أخرى مسلّطة على سكّان الحيّ.

فيما يتعلّق بالبنية التّحتيّة و الخدمات, الحيّ موصول بأكمله بالكهرباء و بالماء الصّالح للشّرب و إن كان العرض لا يتناسب دائما مع الطّلب.إذ كثيرا ما تنقطع الكهرباء أو الماء لخلل في شبكات الإيصال أو لضعف في العرض في حين لا تصلح الأعطاب عادة إلاّ بصفة متأخّرة.أمّا بالنّسبة لقنوات الصّرف الصّحّي فإنّها لا تستجيب لحاجيّات الحيّ و هي لا تقوى بصورة جليّة على مجاراة نسق النّموّ الدّيمغرافيّ للحيّ. و هو ما يفسّر دوام آنسداد قنوات التّطهير و خاصّة خلال الفترات الممطرة. و بالتّالي يكون مآل المياه المستعملة التّراكم المتواصل في الجهة المنخفضة للحيّ لتشكّل بؤرا لأوساخ متعدّدة يزيد وجود السّبخة الّتي تستقبل جزءا من المياه المستعملة من خطورتها.أمّا في فصل الصّيف, فإنّ الرّوائح الكريهة و أسراب الباعوض تغزو الحيّ بأسره.

2- التّهميش الإجتماعيّ

« … و لمّا يحتاج زوجي إليّ, نرسل الصّغار إلى الشّارع« .تختزل هذه الجملة الّتي جاءت على لسان أمّ جذّابة ساحرة تبلغ من العمر الأربعين, شعورا بالتّهميش يسكن كلّ الّذين آعترضناهم.

هذه المرأة متزوّجة و أمّ لعدّة أبناء تتقاسم و حماتها و أخيها و زوجته و أولادهما و أختها منزلا يتكوّن فقط من غرف ثلاث و ممرّ يودي بك إلى مطبخ صغير و دورة مياه فيها مرحاض و مغسلة قديمة و خرطوم مشدود إلى حنفيّة يلعبان دور الحمّام في فصل الصّيف. دلو من الماء الّذي يقع تسخينه في المطبخ « يكفي » شتاءا.

غير أنّنا و بعد الإصغاء لقصص أخرى في ذات الحيّ خلصنا إلى أنّ هذه المرأة تعتبر سعيدة نوعا ما إذا ما قورنت بأخريات. إذ يبدو أنّ النّساء في بعض البيوت الأخرى ترضخن للرّغبات المصحوبة دائما بالعنف اللّفظيّ و الجسديّ و الجنسيّ الّذي يمارس عليهنّ من قبل أزواجهنّ الّذين يعودون في وقت متأخّر من اللّيل تحت تأثير الكحول و/أو المخدّرات. و تتكرّر هذه المشاهد غالبا على مرأى و مسمع الأطفال الّذين يشاهدون آغتصاب أمّهاتهنّ من قبل آبائهنّ بغير قدرة على التّدخّل بسبب الخوف ربّما أو بسبب الحياء أو لئلاّ يعرّضوا العائلة للفضيحة. في مثل هذه الحالات يمثّل آستهلاك الموادّ المخدّرة و خاصّة الأدوية و هي أقلّ ثمنا من المخدّرات الحقيقيّة و لكنّها أكثر خطورة منها واحدة من أسهل طرق تجاوز مرارة الواقع.

و تعود مجموعة من النّزاعات و جملة من التّصرّفات العنيفة إلى شدّة الإكتضاض و الّتي ترجع بدورها إلى الصّعوبات الإجتماعيّة و المكانيّة الّتي يعاني الحيّ منها.

في هذا الإطار الإجتماعيّ المكانيّ, يصعب على الأطفال الّذين يزاولون الدّراسة أن يركّزوا على دروسهم حيث يتطابق فضاؤهم الخاصّ « الوحيد« مع الفضاء العامّ إذ يقضّون الجزء الأكبر من وقتهم, خارج المدرسة, في الشّارع و في الفضاءات المفتوحة أين يتعرّضون للعنف و ينزعون إلى الإنحراف و إلى المخدّرات. الطّموح إلى رتبة القائد الصّغير يتمظهر في مثل هذه الظّروف في نزعة إلى الإحتماء و إلى الهيمنة في الوقت نفسه.في حين تتمكّن الفتيات المتمدرسات أو غير المتمدرسات من تجاوز مثل هذه الظّروف بسهولة أكبر سواء كان ذلك في المدرسة أو في البيت. إذ توفّر لهنّ العائلة إلى جانب الرّقابة الإجتماعيّة, حتّى تبلغن سنّا معيّنا, ضربا من الحماية الإجتماعيّة الّتي تحصّنهنّ ضدّ عنف الشّارع .غير أنّها تضلّ نسبيّة و مرتبطة بالأخلاق و الشّرف.لكنّ هذه الحماية الإجتماعيّة و إن أثبتت نجاعتها ضدّ تعاطي المخدّرات فإنّها لم تثبت قدرتها على وقاية المرأة من بعض الظّواهر الأخرى كظاهرة العنف الجنسيّ و عمليّات الإغتصاب, على الرّغم من قلّتها. لكن كيف لنا أن نعرف مدى تفشّي هذا الظّاهرة على وجه التّحديد؟

إعترف لي أعزب معطّل عن العمل يبلغ من العمر 35 عاما سبق و أن دخل إلى السّجن و تعاطى المخدّرات, بنوع من النّدم الّذي أحسبه صادقا, بأنّه قام بعمليّتي إغتصاب. »… قد تدفعنا الوحدة أحيانا إلى جانب نقص الإمكانيّات و آستحالة الزّواج أو حتّى إقامة علاقة عاديّة لآرتكاب حماقات خطيرة (بهامة) لا تكبح و لا تغتفر, منها أنّى قمت تحت تأثير المخدّرات بآغتصاب فتاتينعسى أن يغفر اللّه لي ذلك. »و لمّا سألته عمّا كان سيفعله لو رأى رجلا آخر و هو يغتصب امرأة, أجاب بعفويّة « كنت قتلته… « أهي المرآة الواجب كسرها لئلاّ تعرّي سوأتنا؟ أم هو رفضنا للظّهور في صورة المجرم رغم إقرارنا بآقتراف للجريمة؟

مسألة المخدّرات

تنتشر المخدّرات في الحيّ بشكل كبير إذ توجد « الزّطلة » و المخدّرات الأكثر خطورة(les drogues (durs.و ترى الحقن في الشّوارع و الفضاءات المفتوحة الّتي تشهد على تفشّيها. (في المصبّات العالية, على آمتداد السّكّة الحديديّة حتّى النّفق, على آمتداد الطّريق السّيّارة). لكنّ الأدوية تبدو أكثر آنتشارا لآنخفاض أثمانها و لنجاعتها في الوقت ذاته. و هي عادة تلك الّتي تستعمل للتّخفيف من وجع المصاب بمرض السّرطان في مراحله الأخيرة.

و لا يستطيع المدمون إخفاء أعراض الإدمان الّتي تتجلّى من خلال أمارات جسديّة تعتري جلّ مستهلكي المخدّرات(ضعف, نحول, فقدان التّوازن أثناء المشي, أعين منتفخة, آثار وخز الإبر… ).

كما أنّ العديد من الأشخاص الّذين آلتقيناهم يعانون من آلتهاب الكبد الّذي ينتشر بدوره بكثرة لدى جلّ السّكّان و هو ما أكّده لي طبيب أصيل المنطقة إنتقل للعيش بمونفلوري منذ بعض السّنين, قال بأنّ من بين مرضاه سكّان معوزون من الحيّ. و قد صرّح لي أحد المدمنين بأنّ « أوّل علامات التّهميش هو آلتهاب الكبد الّذي لا نستطيع تجنّبه و لا نقدر على علاجه و الّذي لو سلّمنا بأنّ السّلطات العموميّة تهتمّ به فإنّها لا تهتمّ به بالقدر الكافي« .إلاّ أنّني لم أجد أيّ إشارة لآنتشار فيروس السّيدا( (VIH في الحيّ رغم أنّ الجميع يتحدّث عنه. ذُهَانٌ(psychose) أم حقيقة؟ لست أدري.لكنّي تعرّفت على رجل يبلغ الأربعين من العمر, في حالة تبعيّة مطلقة للمخدّرات, يحمل الفيروس الآنف الذّكر (فلنسمّيه الحسن) يعيش لوحده في بيت متواضع ورثه عن أمّه. و قد آستقبلني عنده على السّاعة الحادية عشرة صباحا ليلخّص لي حياته في بعض النّقاط.فبعد أن قضّى أربعة سنوات في السّجن بتهمة ترويج و آستهلاك المخدّرات و الإعتداء بالعنف على الآخرين, فرّ هذا الأخير, بطريقة غير شرعيّة إلى إيطاليا , أين آستقرّ هناك لعدّة سنوات في السّريّة, متمعّشا من بعض الأعمال الصّغرى و من تجارة ضيّقة للمخدّرات مكّنته من تغطية مصاريفه الخاصّة و من إرسال بعض الأموال لأمّه الطّاعنة في السّنّ و المريضة و الّتي تركها وحيدة في السّيدة و الّتي ماتت منذ ثلاث أو أربع أعوام ممّا دفعه للعودة حتّى يتمكّن من حضور مراسم دفنها آملا أن يتمكّن من الرّجوع مجدّدا لإيطاليا. لكنّه مرض بمجرّد عودته إلى تونس. و قد كشف له تشخيص الأطبّاء أنّه مصاب بالسّيدا و بدأ منذ ذلك الحين بتلقّي العلاج ممّا حال دون إمكانيّة هروب جديدلكنّ آنعدام الدّخل القارّ و الإحاطة العائليّة إلى جانب الإحساس بالوحدة دفعا بالحسن للتّذوّب في المخدّرات و الكحول و تجنّب أيّ آتّصال بالعالم الخارجيّ .وحدهم بعض الأصدقاء من نفس جيله يتردّدون عليه و يمنحونه أحيانا بعض النّقود عساه يتمكّن من تغطية الحدّ الأدنى من مصاريفه. و في إطار المدّ التّضامنيّ ذاته, ترسل له بعض نساء الحيّ من أمّهات رفاقه خاصّة , بآنتظام, بعض المأكولات السّاخنة, لوعيهنّ بمعاناته من الوحدة و الفتور.

« لو كنت من المرسى, على الرّغم من كلّ ما آقترفته من أخطاء و من كلّ ما يمكن أن تقع مآخذتي عليه, لكنت لقيت آهتماما أكبرو علاجا أفضلأنا تائه هنا و سأختفي يوما ما دون أن يلحظ أحد غيابيربّما ينتبه أصدقائي أو أمّهاتهم لذلك… « 

و تباع المخدّرات المتأتّية من خارج الحيّ, داخله و حوله, عادة عن طريق شباب في سنّ المراهقة تتراوح أعمارهم بين 12 و 16 عاما. قبل 14 جانفي,كانت هذه الموادّ تروّج من قبل شخص من الأمن. و هو ما أكّده العديد من الّذين وقعت محاورتهم كلّ على حدا و في أوقات مختلفة.

و يقع تصيّد هؤلاء الشّباب من قبل « سماسرة« يستعملون الموادّ المخدّرة و الأموال الّتي تتأتّى منها كطعم لآستجلابهم هذا إلى جانب الفشل الدّراسيّ شبه المحقّق و الشّعور بالحاجة و الخصاصة و الرّغبة الملحّة في مساعدة آبائهم و إخوتهم الأصغر سنّا و غواية الكسب السّهل.كلّ هذه العوامل تجعلهم يقعون بسهولة في الشَّرَك الّذي يجد من يسقط فيه نفسه في مأزق التّعوّد على الرّبح السّهل, الّذي يتّضح فيما بعد أنّه ليس بالسّهولة المتوقّعة, من ناحية, و في أسر المخدّرات, من ناحية أخرى.

تجاوز التّهميش:الإستراتيجيّات و المخارج

تبدو أنّ إمكانيّة إيجاد عمل يضمن دخلا قارّا, نوعا ما, متاحة بالنّسبة للفتيات و النّساء أكثر منها بالنّسبة إلى الرّجال, رغم تدنّي قيمة هذا الدّخل و محدوديّته. و هنّ تعملن عادة كعاملات في المتاجر أو كمجرّد بائعات في المغازات خاصّة منها تلك الّتي تبيع الثّياب و الملابس الدّاخليّة والتّحف و العطورات و الألعابو تتقاضى أقلّهنّ سنّا أجرا يقدّر بمعدّل 100 دينار شهريّا.غير أنّ هذه« الأعمال الصّغيرة » تتيح لهنّ إمكانيّة الإنعتاق من بوتقة البيت و الحيّ و تزيد من فرص التّعارف الّتي قد تؤدّي أحيانا إلى الزّواجأمّا الأكبر سنّا, فأغلبهنّ تعملن كأعوان تنظيف في الإدارات و المدارس و خاصّة في المشافي لقاء أجر يقدّر ب180 دينارا شهريّا. أمّا الرّجال فيعاني أغلبهم من البطالة. وحده الأجر المتواضع للمرأة, الّتي تتحمّل إلى جانب عملها خارج البيت أوزار العمل داخله(من تنظيف و طبخ و غسيل), يعيل, في أغلب الأحيان, الأسرة بأكملها.

و قد تتورّط بعضهنّ في البغاء و تدفعن إلى « سلعنة » أجسادهنّ لضمان أجر مريح نوعا ما و تقديم العون للعائلة. و يمارس هذا النّشاط عادة في أحياء أخرى و قد يمارس أحيانا في الضّواحي الرّاقية للعاصمة.

في السّيدة تحاول النّسوة اللاّتي تعملن في الجنس المحافظة على مظهر « عاديّ » , مثاليّ لئلاّ يقع رفضهنّ و لكن أيضا حتّى لا يقع آستغلالهنّ من قبل عصابات الحيّ. و تقع هذه الممارسات حسبما أدلى به الرّجال الّذين آستجوبتهم (نظرا لصعوبة إيجاد فتاة) بصفة فرديّة أي بغير وجود « قوّاد« (Macros).

و قد قدّمني صلاح في وسط العاصمة لإحدى الفتيات السّالفات الذّكر, تدعى عائشة (و هو إسم مستعار). إمرأة جميلة و أنيقة في الثّلاثين من عمرها تدخّن سجائر من النّوع الرّفيع و تتعاطى الكحول بدأت بممارسة الجنس بمقابل و هي تلميذة في إحدى المعاهد.

« بعد أن فقدت عذريّتي و القدرة على تحديد مصدر الأموال الّتي كنت أتقاضاها, لم يعد لي أمل في إيجاد زوج و تأسيس عائلة لذا واصلت العمل لأنّه عليّ أن أساعد والديّ و إخوتي الصّغار.عائلتي تحسب أنّي أعمل في متجر ضخم يقع في الضّاحية الشّماليّة للعاصمة. و لمّا تكثر التّساؤلات, أقول لهم بأنّي و جدت عملا آخر في محلّ للملابس الدّاخليّة, مثلا. أبي لم يتجرّأ مطلقا على المجيء للتّثبّت من حقيقة روايتي. و إخوتي مازالوا صغارا. »و قد تعرّضت عائشة مرارا للعنف الجنسيّ و الجسديّ و أجبرت أحيانا على القيام بأفعال لا ترتضيها أو على ممارسة الجنس بغير حماية. مازالت عائشة لم تجد سبيلا للخلاص من دائرة الفقر الّتي دفعتها إلى ممارسة مهنة, لم تخترها بقدر ما فرضتها الحاجة و ندرة الفرص الأخرى, عليها.

« أحلم خاصّة بالعثور يوما على أجنبيّ يأخذني معه إلى أوروبّا أو إلى إحدى دول الخليج العربيّإذا ما بقيت هنا سأخسر حياتي. »قالت.

كما أضافت بأنّها تعرف العديد من فتيات و نساء الحيّ اللاّتي تمارسن البغاء, بشكل نظاميّ أو منظّم, عند الحاجة, و بأنّهنّ تساعدن بعضهنّ البعض خاصّة عبر تناقل بيانات الحرفاء « الأثرياء« أو بالتّداين عند الحاجة الماسّة إلى النّقود. و لكنّها تؤكّد على الرّغم من ذلك بأنّ الأمر لا يتعلّق بشبكة منظّمة و بأنّه نادرا ما تقع إحداهنّ تحت طائلة أوامر و رقابة « قوّاد« .

و تقول عائشة أخيرا بأنّها تكسب مبلغا يتراوح بين ال300 و ال500 دينار شهريّا و بأنّ بعض الفترات تكون ملائمة للعمل أكثر من غيرها.

بالنّسبة للرّجال, يبدو الأمر أكثر تعقيدا إذ أنّ حظوظهم في إيجاد عمل منعدمة تقريبا.الإقامة في السّيدة منّوبيّة تشكّل عائقا حقيقيّا يحول دون ذلك.فهي ليست العنوان الأمثل, بل على العكس تماما. فبمثل هذا العنوان, ننطلق « برأس مال إجتماعيّ » سلبيّ. إذ يتراجع صاحب العمل المحتمل بمجرّد معرفته لمحلّ إقامة المترشّح, خاصّة لو تعلّق الأمر برجل لم يبلغ الأربعين بعد. وحدها الوظائف ذات الأجور الزّهيدة و الّتي تتطلّب قدرات بدنيّة عالية قد تمنح إليهم: كالعتالة, و الحراسة (في المتاجر أو الشّركات الكبرى أو « الكراجات« ) أو كالحراسة في العلب اللّيليّة((videurs. و لكن قد تعوز بعضهم الإمكانيّات الجسديّة المطلوبة و نظرا لأنّ مثل هذه الأنشطة كثيرا ما تعرّض صاحبها للنّزاعات أو حتّى للصّدامات العنيفة الّتي قد تودي بهم إلى وضعيّات قصوى من العنف أو إلى إيقافات من قبل البوليس قد تنتهي بهم في السّجن. أمّا بالنّسبة للرّجال الأكبر سنّا نسبيّا أي الّذين تجاوزوا الأربعين فالطّموح إلى عمل أكثر آطمئنانا مشروع, فالسنّ, و ما يفترضه من تعقّل و رصانة, في حالتهم يجعل المشغّل يتغاضى عن العنوان و هو ما يسدّ بالتّالي النّقص الّذي يخلّفه هذا الأخير في الرّصيد الإجتماعي لصاحبه.

ويغادر شباب السّيدة الحيّ إذا ما آستطاعوا إلى الحياة خارجه سبيلا. غير أنّ ذلك نادرا ما يتاح لهم.و من بين الإستراتيجيّات و إمكانيّات الخلاص المتاحة أربعة حلول كانت من بين الأكثر ذكرا من قبل المستجوبين الّذين آلتقيتهم خلال الدّراسة:

  • الهجرة: يفتّش شباب الحيّ على الدّوام عن فرص تخوّل لهم الهجرة إلى الخارج سواء كان ذلك عبر الطّرق الشّرعيّة (بالحصول على تأشيرة) أو عن طريق الوسائل اللاّشرعيّة (الهجرة السّرّيّة أو « الحرقة« ). و قد تمكّن بعضهم من السّفر و الإستقرار في أوروبّا. و يقوم الّذين يحافظون على روابطهم الأسريّة منهم بإرسال الأموال إلى عائلاتهم للبدء بتحسين مساكنهم و صيانتها. و هكذا علت العديد من المنازل و آزدادت طابقاو لكن قد ينقل البعض منهم عائلته للعيش خارج الحيّ, في أماكن أخرى أكثر راحة و « هدوءا » و أمنا.

  • إيجاد عمل خارج السّيدة و الإنتقال للعيش في حيّ آخر.

  • الزّواج (المختلط إجتماعيّا, أي أن يرتبط أحد متساكني السّيدة بآخر من حيّ مغاير من أحياء العاصمة أو بأصيل مدينة أخرى) هو فرصة خلاص للفتيات على وجه الخصوص, قلّما تحصل. و قد تقبل بعضهنّ بعمل ذو دخل محدود خارج الحيّ حتّى تتمكّن من ربط علاقات بالمركز الّذي قد يتيح لها هذه الفرصة. العمل في إحدى المحالّ قد يكون آستراتيجيّة أو مرحلة إنتقاليّة تمهّد للمغادرة النّهائيّة للحيّ. فزوج ذو دخل معقول لا يمثّل طوق نجاة لهنّ فقط بل لعائلاتهنّ كذلك

  • بالنّسبة للرّجال و نظرا لأنّهم أقلّ حظوظا في سوق الشّغل لآنعدام رأس المال الإجتماعيّ (العنوان, ضعف المستوى التّعليمي, السّوابق المدنيّة و الجزائيّة… ), غالبا ما يجدون أنفسهم « مرغمين » على اللّجوء إلى العنف و السّرقة و حتّى المخدّرات كردّ فعل ضدّ التّهميش المطلق الّذي يعانون منه كما يعانون من تورّطهم في مثل هذه الممارسات الّتي لم يجدوا لها بديلا. حتّى أنّ أحدهم سألني في آحتقان: »ماذا عليّ أن أفعل؟ أن أموت من الجوع؟ أو أن أتسوّل قوت يومي؟ إيجاد عمل هو أمر مستحيل. لا أستطيع أن أتزوّج. فشلت في الرّحيل إلى أوروبّا. والديّ يعانيان في صمت و هما لا يستطيعان أن يوفّرا لي مصروفي اليوميّأقوم بما يتاح لي القيام به حتّى أعيش. و ألوذ بالمخدّرات لأنسى ما قمت بهليست لديّ حلول بديلة. »

2 – التّهميش السّياسي :

لم أتعرّض, في هذا الخصوص, لما حصل خلال فترة حكم بن علي و الطّرابلسيّة إلاّ بآقتضاب و من خلال ما ذكره سكّان السّيدة عن تلك الفترة. و يدور ما علق في الأذهان عن المرحلة « البنعليّة » الّتي سبقت الثّورة بصفة عامّة حول ممارسات الشّرطة و حزب التّجمّع الّذي ضلّ في الحكم حتّى 14 جانفي 2011.

و لا تتعدّى علاقة سكّان الحيّ بالسّلطة و السّياسة حدود علاقتهم بالأمن و« الحملات » الّتي كثيرا ما كانت تشَّنُّ عليهم من قبله بحثا عن المشتبه بهم أو عن المتورّطين في آرتكاب جرائم أو جنح. (و ككلّ التّونسيّين يستعمل سكّان الحيّ للدّلالة عليها عبارة « رافل« ) و يأتي أعوان البوليس عادة بأعداد كبيرة إمّا بالسّيّارات أو على صهوات الجياد حتّى يتمّكّنوا من عبور الممرّات المسدودة و الأزقّة بحثا عن الفارّين من العدالة و عن تجّار المخدّرات و مستهلكيها إلى جانب المشكوك في آقترافهم لجرم ما حتّى أنّهم لا يتردّدون في آقتحام البيوت ليلا تفتيشا عن مبتغاهم. و قد يشكّلون حواجز عند المداخل الرّئيسيّة للحيّ لإيقاف المطلوبين و لترهيب البقيّة و بثّ الرّعب في نفوسهم. و لكنّ بعض الّذين آلتقيناهم أكّدوا لنا بأنّ البوليس يتردّد على الحيّ لآبتزاز بعض السّكّان خاصّة من المتورّطين في تجارة المخدّرات أو في البغاء أو في جرائم سرقة

فالعلاقة الّتي تشدّ سكّان الحيّ إلى أعوان البوليس كانت محكومة بموازين القوى و لكن تحرّكها كذلك المصالح و الرشاوى.

و لتجنّب إثارة شكوك زملائهم أو المصالح الأخرى للوزارة, يقوم هؤلاء الأعوان بإيقاف الأشخاص الّذين يشكّلون خطرا أو قد يعلنون عن إيقافهم أو عن تفكيكهم لشبكة ما. هي حكايات تردّدت من قبل العديد من سكّان الحيّ و لكنّنا لا نستطيع أن نؤكّدها و لا أن ننفيها بصفة حاسمة و نهائيّة. و مهما كان حجم الدّور الّذي يلعبه هذا الجهاز في الحيّ, فإنّ الإعلان المتواتر عن الجرائم المرتكبة في السّيدة و عن تفشّي التّجارة غير المشروعة فيها, و المشفوع بتغطية واسعة من قبل الصّحف و وسائل الإعلام يساهم في تشويهه و في تصوير سكّانه على أنّهم مجرمين, خارجين عن القانون لا يجدرون بالتّالي بالمواطنة. و هو ما يزيد من حدّة التّهميش الّذين يعانون منه و من صلابة الجدار الّذي يفصلهم عن المدينة.

وتوجد أقرب شعبة (الخليّة أو النّواة القاعديّة للتّجمّع ) من شعب التّجمّع إلى مونفلوري قبالة السّيدة. و قد كانت إجتماعات الحيّين تعقد داخلها. و كغيرهم في سائر أنحاء البلاد و للأسباب الإقتصاديّة و السّياسيّة ذاتها, دُفع عدد كبير من سكّان السّيدة إلى (إستهجان/إمتهان) إلى الإعتداد بطاقات آنتماء لهذا الحزب علّها تحميهم أو تمكّنهم من بعض الإمتيازات كبطاقة علاج مثلا أو غيرها من المعونات المباشرة أو غير المباشرة الّتي كان الحزب يمنحها. فعلاقتهم بالحزب الحاكم كانت علاقة إضطراريّة يحرّكها دافع نفعيّ مصلحيّ.

كما أنّ للحزب كذلك حسب ما يرويه السّكّان مغازة كبرى كانت مختلف الموادّ الّتي تقدّم كمساعدات دوليّة أو وطنيّة إلى الفئات المحرومة في تونس تخزّن فيها بدل أن توزَّع على مستحقّيها. و الشّهادات في هذا الخصوص عديدة و متطابقة. و من بينها شهادة سائق سيّارة سابق كان يعمل لحساب الحزب أكّد لي بأنّه قام في عديد المرّات بنقل صناديق مليئة بالموادّ الغذائيّة و الأغطية إليها تنفيذا لأوامر من يعلونه شأنا. كما أنّه أضاف بأنّه كلّف بإيصال العديد من الموادّ إلى عناوين خاصّة في أحياء مترفة من العاصمة. و قد حالت علاقة السّكّان بالبوليس من ناحية و بالتّجمّع من ناحية ثانية إلى جانب صعوبة الإنخراط في أيّ حراك سياسيّ زمن الدّيكتاتوريّة دون أيّ محاولة للإندماج السّياسيّ و لو النّسبيّ لهذه الفئة. و هو ما أدّى إلى عزوف جماعيّ عن السّياسة و عدم آهتمام بتقلّباتها مازال طاغيا إلى اليوم.

و لكنّ هذا لا يعني آنعدام المعرفة بالشّأن العامّ إذ يعدّد لك السّكّان عندما يكلّمونك عن مشاكلهم الجماعيّة أو الفرديّة(نسبة البطالة المرتفعة, مشاكل السّكن و البنية التّحتيّة و الخدمات و غيرها) مؤسّسات بعينها و يذكرون لك أشخاصا محدّدين و هو ما يؤكّد أنّ لديهم رؤية محدّدة للمشهد العامّ. و تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ثقتهم في السّاسة و في السّياسة الّتي يحسّون بأنّهم مقصيّين من دوائرها,منذ البداية, لم تزدد بعد الثّورة. حتّى أنّ بعضهم يرى بأنّ الثّورة زادت من تهميشهم و تشويههم و تقديمهم على أنّهم خطر حقيقيّ يتربّص بالإنتقال نحو الدّيمقراطيّة. و قد قال لي أحد محاوريّ : » في عهد بن علي كانت تربطنا علاقات مباشرة بالأمن و كنّا نعرف كيف نتصرّف إزاءه, بعد الثّورة لم يعد أحد يأتي لرؤيتنا حتّى البوليسحتّى أنّي أشعر بأنّنا لا ننتمي إلى هذا البلدالثّورة ليست لنا…  »

و لعلّ ما جرى في اليوم الموالي لرحيل بن علي و ما بالغ الإعلام في تضخيمه من عمليّات آقتحام لمخزن التّبغ الواقع في الورديّة و هو على ملك الشّركة التّونسيّة للتّبغ و الوقيد (و تحتكر الدّولة عمليّة تصنيع التّبغ و تجارة الجملة المرتبطة به) من قبل مجموعات منظّمة من الحيّ و لمصنع خمر يعرف بآسم « كودية » و يقع في محيط السّيدة, زاد من الجفاء و القطيعة الحاصلة بين السّيدة و باقي العاصمة الّذي هيمن عليه فاعلون سياسيّون جدد منظّمين أو غير منظّمين. و قد تمكّنوا من سرقة كمّيّات هامّة من السّلع( و خاصّة من السّجائر و الخمور) الّتي قاموا إمّا بآستهلاكها أو ببيعها على آمتداد الطّريق السّيّارة الفاصلة بين الحيّ و السّبخة. و أثناء الحديث عن لجان الأحياء الّتي تشكّلت بصفة عفويّة في كلّ أنحاء البلاد لسدّ الفراغ الأمنيّ الّذي خلّفه آنسحاب البوليس أخبرني أحد السّكّان بأنّه « في كامل جهات تونس تنظّم السّكّان في لجان لحماية ممتلكاتهم و أهلهمو نحن أيضا كوّنّا مجموعات حتّى نذود عن عائلاتنا و السّلع الّتي سرقناها. »

و قد بدت نسبة التّسجيل الإختياريّ على القوائم الإنتخابيّة قبل الإنتخابات, من بين أدنى النّسب إن لم نقل بأنّها الأدنى مقارنة بالنّسب الأخرى الّتي وقع آحتسابها في تونس الكبرى. و هذا يفسَّر بجملة من الأسباب و العوامل و لكنّه يفسِّر في الآن نفسه أزمة الثّقة الّتي زاد آمتناع الأحزاب السّياسيّة و المترشّحين للإنتخابات عن القيام بآجتماعات في الحيّ و عن التّواصل مع سكّانه من وطأتها و التّأكيد عليها…  » لم يأت أحد لزيارتنا.سياسيّو الثّورة لم يأتوا أبدا إلى هنا. إنّهم يخافوننا و يعتبروننا وحوشا ضارية. هم يقومون بآجتماعاتهم في محيط السّيدة و يدّعون الوصول إليها. هم ليسوا أفضل من بن علي. »(هذا التّصريح وقع الإدلاء به قبل آنتخابات المجلس التّأسيسيّ الّتي وقعت في 23 أكتوبر 2011).

في واقع الأمر وحدها حركة النّهضة كانت حاضرة في الحيّ و إن كان حضورها محتشما. و لكنّ وجودها تدعّم شيئا فشيئا حتّى يوم الإنتخابات. هي لم تنظّم لقاءات كبرى و لا آتّجهت إلى المنازل و لكنّ نشاطها تركّز في المساجد. أنصار الحركة هم أساسا السّكّان الطّاعنون في السّنّ و الّذين قضّوا حياتهم في السّيّدة شاعرين كلّ يوم بالمهانة جرّاء طمس كلّ القيم و الإعتبارات الأخلاقيّة و الإجتماعيّة و بالقلق إزاء المستقبل الإجتماعيّ و المهنيّ لأبنائهم خاصّة أمام التّصحّر الّذي تشهده البلاد على جميع الأصعدة. و على الرّغم من أنّ نتائج الإنتخابات لا تمكّن من رسم خارطة إنتخابيّة جليّة المعالم, إذ أنّ السّيدة لا تعدو أن تكون جزءا صغيرا من دائرة إنتخابيّة أكبر و لكنّنا نستطيع أن نجزم بأنّ النّهضة سجّلت هنا واحدة من أعلى نسبها.

لكن تجدر الإشارة هنا إلى الغياب الواضح للسّلفيّين. و إن كان بعضهم من سكّان الحيّ يؤمّون المسجد من حين لآخر ليرجعوا إثرها على عجل إلى منازلهم. و التّفسير الأكثر رواجا هو أنّ سلفيّي الحيّ لم يكن لهم قبل الثّورة أيّ آنتماء للمدّ السّلفيّ و أنّهم مرّوا بذات الإنحرافات (ألا وهي المخدّرات و العنف و السّجون… ) و نظرا لأنّ الكلّ يعرف ماضيهم لم يتجاسروا كبقيّهم على إعطاء دروس في الأخلاق و في الدّين للآخرين. حتّى أنّ بعض السّكّان يؤكّدون بأنّه لو قرّر السّلفيّون هنا اللّجوء إلى العنف أو إلى تأجيج الصّراعات فإنّ الكفّة لن ترجح لصالحهم… « نحن كذلك مقاتلون. نحن قادرون على الدّفاع عن أنفسنا و إن لزم الأمر سنعلنها حربا شعواء بلا شفقة… «  »لذا عليهم آجتناب المواجهات و الإستفزازات داخل الحيّ… « 

التّهميش و التّضامن:

إنّ الوصف الّذي قدّمته لأوجه التّهميش الإجتماعيّ و الإقتصاديّ للحيّ ونقلي لممارسات سكّانه كما رأيتها وعاينتها, لا يجب أن يرسّخ الصّورة السّلبيّة/القاتمة كليّا العالقة في الأذهان عن الحيّ و عن متساكنيه. هذه الصّورة المهينة الّتي تعشّش في أذهان باقي سكّان العاصمة ما هي إلاّ تصوّر و تمثّل لشريحة إجتماعيّة تتكوّن من سكّان الأحياء الفقيرة و الشّعبيّة (من بينها السّيدة كعنوان و كآنتماء). صورة يمكن أن نترجمها بالكلمات التّالية: » هؤلاء النّاس على درجة شديدة من الفقر لا تمكّنهم من ترف الفضيلةلديهم ما يكفي حتّى يستصغروا أنفسهم. » لكن على الرّغم من مظاهر العنف الّتي قد يستهجنها الزّائر الغريب عن الحيّ فإنّ ما سيستوقفه أكثر هو الحسّ التّضامنيّ و المدّ الإنسانيّ بين السّكّان.

على الرّغم من الإكتضاض و الإزدحام و الكثافة السّكّانيّة المرتفعة, فإنّ نمط الحياة في السّيدة أقرب إلى وقع الحياة في القرية منه إلى إيقاع المدينة اللاّهث. قرية يعرف كلّ سكّانها بعضهم البعض. قرية يسهل تحديد الوافدين إليها من الغرباء عنها و تسهل مراقبتهم مع نوع من المجاملة. قرية تقلّ فيها الممارسات الشّديدة العنف خاصّة إذا ما قورنت بمخزونه الكامن فيهم. قرية تحترم كبارها, تساعدهم, تؤنس وحدتهم. قرية تحمي صغارها وتحافظ على بناتها عبر علاقات الأبوّة و الجوار الّتي تنشئ عليها سكّانها و واجب حماية الضّعيف الّذي تغرسه فيهم.و من المفارقات الغريبة أنّ البعض من الّذين غادروها لتحسّن في وضعيّتهم الإجتماعيّة عادوا للإحتماء بها في الأيّام الأولى الّتي عقبت رحيل بن علي و الّتي عرفت إنفلاتا أمنيّا شديدا. و من بين هؤلاء وكيل جمهوريّة عاد إلى السّيدة خلال تلك الفترة صحبة زوجته و أطفاله للإقامة مع أمّه خوفا عليهم.

و يرجع الحسّ التّضامنيّ و الغياب النّسبيّ للعنف في الدّاخل إلى الرّقابة الإجتماعيّة و قلّة الغرباء. لكن في آعتقادي فإنّ ذلك يمثّل أساس تماسك المجموعة المهمَّشة (إتّحاد؟) إزاء إقصاء المركز الّذي لا ينفكّ عن تركيز حواجزه الدّفاعيّة الخاصّة الّتي لا تنبني على وحدة الدّاخل و آنسجامه, بقدر ما تتأسّس على تشويه أو شيطنة الفضاءات الهامشيّة. لذلك لا يشغّل سكّان الحيّ(أشغال البناء… ) عمّالا من خارجه. و يتردّدون على حلاّق, و تاجر, و مسجد الحيّ. و تنتشر مقاهيهم داخل الحيّ أو على تخومه و خاصّة في المنحدرات الممتدّة بين السّيدة و مونفلوري و بين السّيدة و الورديّةو على هذه المقاهي أين يقضي الشّباب و المعطّلون عن العمل (و هم يمثّلون جزءا كبيرا من الرّجال) نهارهم و حتّى قسطا من ليلهم, بعرف الكلّ بعضهمحتّى النّادل يكون عادة من الحيّ ذاته. و يخيّم على هذه المقاهي جوّ من الألفة و الإنسجام.

في اليوم الأوّل لي داخل الحيّ, جلست في مقهى يقع على التّلّة الّتي تعلو السّيدة, قبالة سبخة السّيجوميو قد فهمت سريعا بأنّي مثار شكوك و تساؤلاتو ذلك أمر عاديّ نظرا لأنّه لم يسبق لأحدهم أن رآنيو قد كان الإستقبال, على الرّغم من ذلك, لطيفا و كانت الخدمات « متقنة« .

أمّا النّادل الّذي قدّم لي القهوة ,و هو أصيل السّيدة, فهو شابّ قويّ البنيان تجاوز سنّه الثّلاثين عاما, تركوا على وجهه نُدْبَيْنِ يشدّك أحدهما لفرط وضوحه. وقد آغتنمت فرصة آنتباهه لي حتّى أقدّم له نفسي و أطلب منه أن يحدّثني لو أمكن عن حيّه. و قد قبل مباشرة بذلك. و قد رسم لي لوحة تصوّر الحياة داخل الحيّ و حدّثني مطوّلا عن تجربته الخاصّة فيه فقد بقي طويلا معطّلا عن العمل الأمر الّذي دفع به إلى العمل من فترة إلى أخرى في المقهى(يقوم بمساعدة صاحبه الّذي قال بأنّه يعرفه جيّدا) ليجني بعضا من المال, تعاطى المخدّرات, حاول أن يهاجر في السّريّة إلى إيطاليا و قوبلت محاولاته بالفشلأودع السّجن عديد المرّات (إعتداء بالعنف, مخدّرات, جرائم سرقة… ). وقد تقلّبت أمّه الّتي آنفصلت منذ ولادته عن والده بين كلّ الأعمال الممكنة بما فيها القيام بالتّنظيف و الغسيل في بيوت مونفلوري حتّى تتمكّن من إعالته.

لكن لمّا طلبت منه أن يصاحبني أثناء قيامي بالدّراسة و أن يقدّمني لسكّان الحيّ, سألني و قد تملّكته الرّيبة : »و من يثبت لي أنّك لست شرطيّا؟يلبس الكثير منهم مثلكلديهم نفس أسلوبك و شعرك الطّويل… « و لمّا كشفت له عن بطاقة هويّتي, الّتي تنصّ على مهنتي و سنّي و تضبط عنواني في الخارج, أجاب بأنّ« هذه ليست بالحجّة الكافية, فلوزارة الدّاخليّة الّتي تصنع هذه البطاقات أن تزوّر بعضها حتّى تخفي الهويّة الحقيقيّة للمدنيّين من أعوانها…  » و قد توقّف الحوار عند هذه الدّرجة من الشّكّ و التّوجّس, و قد فتّشت طويلا عنه بعدها و لكنّي لم أفلح في إيجاده. وما تجدر ملاحظته هنا, هو أنّ هذا الأخير لم يطلب منّي شيئا لقاء حديثه عن نفسه بكلّ صدق و وضوح. و لكنّه شكّ في أمري لمّا طلبت منه أن يغوص بي أكثر في شؤون الحيّ و خاصّة منها تلك الّتي تهمّ سكّانه. كان ذلك الطّلب بمثابة الإنذار بالنّسبة لهو وحده الإحساس بضرورة التّوحّد قصد التّصدّي لآمتهان الخارج لهم, يستطيع تفسير ردّة فعله. هي السّيدة في مواجهة/ضدّ البقيّةالهامش في مواجهة/ضدّ المركز.هو كان على الهامش أمّا أنا فلم أكن مؤكّدا على الضّفّة الملائمة للحاجز

يتجاهل المركز الهامش برمّتهبتركيبته و صراعاته و حياته و تضامنه و آستراتيجيّاته و فضاءاته العموميّة و الخاصّة و أزقّته و رجاله و نسائه و أطفالهفي حين يطمح الهامش إلى مركز يعرفه جيّدا, يتردّد عليه, يتمعّش منه, قد ينتقل للعمل فيه أحيانا, يعرف شرفاته و بناته و أولاده و مؤسّساته, يستغلّه و قد يعتدي أحيانا عليه, قد يجد فيه أو قد يُضطرّ لأن ينتزع منه ما يمكّنه من البقاء على قيد الحياة و من المحافظة على كينونته.

و بعد سهرة في السّيدة اتجهت إليها و بي نوع من الخوف و الوجل, تلبية لدعوة بعض « الأشدّاء« … أصرّ أصحاب الدّعوة على إيصالي إلى منزلي لئلاّ تعترضني بعض المفاجآت غير السّارّةو قبل أن يغادروا إقترحوا عليّ بأن نتقابل في اليوم التّالي في أحد البارات الأكثر إقبالا في العاصمةالمزار, في شارع مارسيليا

4- الخلاصة:

و حتّى أنهي و بالنّظر إلى محدوديّة هذه الدّراسة الّتي لا تستطيع أن تعكس صورة مطابقة للواقع سأتوقّف عند التّذكير بأهمّ أوجه التّهميش الّتي يعاني منها سكّان السّيدة لمزيد تسليط النّور عليها:

  • تموقع الحيّ في أرض مغمورة يعسر الوصول إليها و تصعب تهيئتها و هو ما يزيد من عزله عن باقي المدينة.

  • و تمثّل الكثافة السّكّانيّة العالية إلى جانب آستحالة التّوسّع على حساب الأراضي المتاخمة و الإكتضاض و تردّي حالة البنية التّحتيّة الموجودة و آنعدام بعض البنى التّحتيّة الأساسيّة الأخرى بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى الموارد و الإمكانيّات و من بينها الشّغل و الخدمات و آنعدام صفة الملكيّة عوامل تهمّش الحيّ و تزيد من وطأة التّفقير الجماعيّ.

  • الصّورة الشّديدة القتامة العالقة في الأذهان عن الحيّ و عن سكّانه الّذين يعتبر الإجرام الأصل فيهم. فهم جانحون حتّى تثبت براءتهم. و قد تشكّلت هذه الصّورة تدريجيّا و هي وثيقة الإرتباط بالتّاريخ الإجتماعيّ للحيّ و بالتّشويه المستمرّ لسكّانه الّذي آنطلق منذ ظهور المنازل القصديريّة الّتي تمثّل النّواة الأولى لبروزه خلال السّنوات الخمسين و السّتّين. و ترجع حملات التّشويه الّتي يتقاسمها المواطنون العاديّون و وسائل الإعلام و أصحاب القرار السّياسيّ إلى الخوف الوهميّ و المبالغ فيه الذي يستبطنه أغلب سكّان العاصمة (المركز) من السّيدة ومن باقي الأحياء الشّعبيّة و من سكّانها (الهامش). و لكنّ الأمر البديهيّ هو أنّ الصّورة أكثر مأساويّة من الواقع.

  • و يؤدّي هذا التّهميش (الإقصاء حسب غيوم لبلان) أحيانا إلى ردود فعل حادّة و عنيفة من قبل المهمّش المشوّه الممتهن المتجاهل من قبل الخارج, قد يمارسها على نفسه.

  • صحيح أنّ كلّ مكوّنات الصّورة الحالكة الّتي لطالما تحدّثنا عنها (مخدّرات, عنف, بغاء… ) واقعيّة و منتشرة بين سكّان الحيّ و لكنّ آعتبارها تمسّ كلّ عائلاته مجانب للصّواب و بعيد عن الواقع. بل على العكس من ذلك فإنّ قيم التّضامن و التّآزر و العيش المشترك هي الأكثر تجذّرا في هذه العائلاتو يبقى حجم الإجرام المسجّل داخل الحيّ أقلّ من الحجم الّذي يتمثّله الخارج. و تتأتّى صعوبة التّحليل و الإدراك الصّواب من أنّ تمثّلنا للأشياء لا يعدو أن يكون رسم لصورة نعتبرها الأقرب إلى الواقع, فالأهمّ من الحقيقة في حدّ ذاتها, هو الصّورة الّتي ترسخ عنها في أذهاننا.و هي القاعدة الّتي يخضع تقييم السّيدة إليها.

  • الهامشيّة أمر مدرك. أمّا التّهميش فهو مسار مركّب يُخرِج من المركز أشخاص و مجموعات لأسباب إجتماعيّة و اقتصادية و أخلاقيّة و حتّى سياسيّةو يلقي بهم على هوامشه و على حوافّ المجتمعو قد يعدّ شجب المهمّشين و التّنديد بممارساتهم آليّة من آليّات دفاع البقيّة عن أنفسهم و لكنّه يسرّع مسار التّهميش و يزيد من حدّتهو هو ما يجعل الحواجز الّتي تفصل المركز عن تخومه تنقسم إلى حواجز إفتراضيّة تتمثّل في التّمثّلات و الصّور القاتمة المستبطنة عن الحيّ و أخرى مادّيّة هي الجدران و الطّرقات العاجّة بالسّيّارات و الأراضي الشّاسعة و غير الآمنة.

  • و بالتّالي,أيّ محاولة للحدّ من التّهميش يجب أن تبدأ بتعديل الصّورة أو التّمثل العالق الأذهان عن الحيّ و بهدم الحواجز التي تفصل المركز عن الهامش و لكنّ هذا الهدم يجب أن يتمّ حتما عن طريق إرادة سياسيّة تفتح للمجموعات المهمّشة سبل الوصول إلى إمكانيّات الخلاص الّتي تتمثّل في شغل يضمن لها دخلا قارا و في بنية تحتية ملائمة و في التمتع بحقوقها كاملة في كنف الأمن.

1Enconsidérantl’invisibilitésociale,,ilconvientdes’intéresserauxmodalitéssocialesparlesquellesdesviessontsontreléguéescommeviesdepeu,viesdequasi-rien,dontl’effacementhorsdesfiletsdessolidaritéshumainessemblesansespoirderiposte.Parrelégation,ilfautentendrel’expulsiond’uneviehorsdesespacesconsacrés.Larelégationn’estdoncpensablequeparledédoublementdesespacessociauxenespacesusitésetespacesmarginaux.Ellesupposel’établissementd’unefrontièrequisitueau-dehorsdesformesdevieconsidéréescommepeuviablesetqu’ellemaintientdansunespacelimitrophe,sortedebas-fondsdelaformesociale. »(GuillaumeLeBlanc ;L’Invisibilitésociale.PUF.Paris2009.p.14).

Publicités

A propos Habib Ayeb

Géographe et Réalisateur
Cet article a été publié dans Environnement et Ressources Naturelles, Politique, Tunisie, Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s